حسن الأمين
329
مستدركات أعيان الشيعة
وفي المساء اغتيل أحمد ماهر ، فسالت محمدا عن الأخبار فاختصر الموقف بهاتين الكلمتين : اتلخبطت خالص . وقد كانت له تعليقات على نزلاء الفندق وتحركاتهم هي غاية في الطرافة والحكمة والسخرية . فمن ذلك أني كنت أجلس غير بعيد عن المصعد ، فخرجت من المصعد الهابط ثلاث سيدات تجر كل منهن وراءها كلبا بمقود ، فأيقنت أنه لا بد لمحمد من تعليق على هذا المشهد . فسألته : إزاي الحال يا محمد ؟ . فقال : ولا مؤاخذة من سيادتك ، زي ما أنت شايف ، نطلع كلاب وننزل كلاب ( بتشديد اللام في نطلع ، والزاء في ننزل ) . وفي القاهرة نظمت القصيدة التالية : صورتها أصورتها أين الحبيبة والهوى وأين ليالي الدل والبسمات أصورتها أين العشايا زواهرا وأين تلاقينا على الشرفات وأين على الشباك مجلى جمالها ومشرقها الوضاء في الغرفات غداة تثني في الرحاب طروبة وتختال في أترابها الخفرات وترنو بعينيها إلي صبابه فتكسر من لحظي ومن نظراتي أصورتها أين الخمائل غضة وأين سنا الأحباب في الربوات وأين على الروضات مطلع سربهم ومسراهم الزاهي إلى الحرجات أصورتها لم يبق غير تصور لفتنة عينيها وللوجنات لقد أطبق الهم المبرح وانطوى فؤادي على الأشجان والحسرات أراك فتهتاجين كامن لوعتي وتذكين من وجدي ومن لهفاتي وانظر عينيها عليك هوامدا وعهدي بها بالحب مؤتلقات أصورتها ما كنت ناقعة الحشا إذا ثارت الأشواق مضطرمات فأين كلألاء الصباح جبينها وأين شذا أعرافها العطرات وأين من النائي البعيد خدودها وأين الثنايا الغر مبتسمات وأين كمخضل الورود شفاهها تروي غليل القلب بالقبلات لقد كنت أشكو الوجد وهي قريبة فكيف أداوي الوجد في غرباتي وكانت على قرب المزار مروعة فكيف وقد صرنا معا لشتات هنيدة ! . . أن تأسي علي فإنني فقدت بأدواء الزمان أساتي وأن تحملي هم الفراق فإنها تقضى على الهم الطويل حياتي يراوغني الدهر اللئيم لعلها تلين ، ولكن لن تلين قناتي عدمنا على الدهر الكرام فما به سوى معشر غلف القلوب جفاة يوارون بالترحيب كامن غدرهم ويخفون لؤم النفس يا لبسمات تضيع لديهم كل نفس عزيزة ويشقى بهم في الناس خير أباة تلفت أستجلي جمال أحبتي على البعد فارتدت أسى لفتاتي وددت لو أن الصبح يحمل عرفهم إلي مع الأرواح والنسمات وإني على الوادي أطالع حسنهم وألمحهم في السفح والذروات ذكرتك في ( النيل ) البعيد فلم يطب على ( النيل ) ليلي ساهرا وغداتي وشارفت أزهار الربى فتجهمت بعيني أزهار الربى النضرات وطالعت في السهل النخيل فما حلا لبعدك عني منظر النخلات لأنت على الصبح الجميل جماله وأنت سنا الآصال والغدوات إذا الفتيات الهيف رنحها الهوى لويت عناني عن هوى الفتيات وإن غرد الشادي اقض مضاجعي وأذكى صباباتي وهاج شكاتي فهل كنت بعدي بالغدير ملمة وهل جزت بالوادي وبالشجرات وهل نعمت منك الرياض بنظرة وطالعتها بالبشر والبسمات القاهرة آذار سنة 1945 إلى العراق مرة ثانية وقبيل ابتداء السنة الدراسية سافرت إلى بغداد . كانت أسر عراقية محافظة تتجنب إرسال بناتها إلى التعليم العالي المختلط ، فتقرر إنشاء فرع لهذا التعليم يقتصر القبول فيه على الطالبات فقط ، وأطلق عليه اسم معهد الملكة عالية واخترت لأكون أستاذا في هذا الفرع . فكان عهدي الثاني في العراق من ذكريات معهد الملكة عالية من ذكريات معهد الملكة عالية المظاهرة الرائعة التي قام بها طالباته عندما بدت بوادر تقسيم فلسطين سنة 1947 وشاركهن فيها طالبات الثانوية القريبة من المعهد . فقد تجمع الطالبات في باحة المعهد وعزمن على القيام بالمظاهرة وأصررن على أن أكون معهن ، ولخشيتي أن يندس في المظاهرة بعض المندسين فيفسدون غايتها لم أجب طلب الطالبات ، ولكنهن أصررن على أن أكون معهن كل الإصرار وكانت حماستهن فوق أن تقاوم ، فقلت لهن ساسير معكن ، ولكني في هذه الحال ساكون المسؤول عن كل ما يجري في المظاهرة ، ولا أحسب أن فيكن من ترضى بالإساءة إلي ، لذلك سنحدد الشعارات فلا تتعدى فلسطين وقضيتها ، ونحدد طرق السير فلا تتعدى شارع الرشيد وما إليه ثم الوصول إلى دور السفارات التي أيدت العرب في هيئة الأمم المتحدة ورفضت التقسيم . فكان صوتهن واحدا بالموافقة ، وقلت ساسير أنا في أول المظاهرة فحيث اتجهت تتجه المظاهرة ، على أن يكون السير في صفوف منظمة . وهكذا كان . وكنت بين الحين والآخر أترك المقدمة وأرجع إلى الوراء لملاحظة الهتافات ، فإذا ما توجست منه قد وقع ، إذ سمعت صوتا يصرخ : ما ذا تريدون ؟ فتجيبه بضعة أصوات : الحرية والخبز . فأسرعت نحو صاحبة الصوت وبمجرد وصولي إليها كان صوتها قد انطلق : ما ذا تريدون ؟ وكنت قد صرت وراءها تماما ، فأهويت بكفي على رقبتها صائحا : نريد أن تخرسي . وإذا بها تراني فخجلت وانطوت على نفسها . وكان من السفارات التي وصلنا إليها : السفارة التركية ، لأن تركيا يوم ذاك أيدت العرب في رفض التقسيم ، ولن أنسى حماسة الطالبات التركيات المنتميات إلى محافظة كركوك أمام السفارة التركية عندما وقعت